قلب من زجاج 1976


Heart of Glass 1976

 الراعي هيس جالسا على الصخرة تاركاً قطيعه مفكراً عن نهاية العالم في فيلم (قلب من زجاج) 

  • سيناريو: فيرنير هيرزوغ و هيربت آتشتيرنبوستش
  • إخراج: فيرنير هيرزوغ
  • بطولة: جوزيف بيربتشلر, ستيفان غوتلر, سونجا سكيبا و كليمنز ستشيتز
  • تصوير سينمائي: جورغ سكيمت ريتوين
  • مدة الفيلم 93 دقيقة

التعليق النقدي

بقلم لاوين ميرخان Laween Merkhan

يفتتح هذا الفيلم في الأجواء الضبابية في احدى المقاطعات الألمانية تدعى (بفاريا,المقاطعة الكاثولوكية الوحيدة في المانيا اللوثرية) حيث نجد الراعي هيس جالسا كجلوس المفكر رودان (تمثال الشهير للنحات الفرنسي رودان) على صخرة واضعا يده على خده, تاركا قطيعه المكون من الأبقار تتغذى على الحشائش, بينما هو يفكر عن نهاية العالم بحوار داخلي مع نفسه بالعدد الكثير من التساؤلات. ثم يركز الفيلم على سلسلة طويلة الأمد من المشاهد يخلوها من الكلام بل مكتفية بصوت الموسيقى الجميل تحيطها بالغشاوة على مياه الشلالات و الضباب و الغيوم, ثم يعود الفيلم بنا إلى هيس المفكر بعد إن أتخذ وضعية أخرى لجلوس و ينظر إلى أفُق السماء, يقول لنا بحوار داخلي طويل:-

 (أني أرى إن العالم قد وصل إلى نقطة الحضيض من نهاية, قبل إن ينتهي هذا اليوم, فإن النهاية تقترب رويداً رويداً, و بعد ذلك ستُعم الفوضى في الأرض و يتلاشى الزمن, و تنقشع السحُب…  و تزلزل جميع طبقات الأرض… هذا هو توقعي لنهاية العالم! فهذا ليس سوى بداية النهاية, لأن كل مظاهر العمران و القيم الأنسانية بدأت تنهار…) و عقب هذا الحوار مشهد الشلال الهائل الغزير. من الجدير بالذكر إن كلمة الراعي (shepherd) في القواميس يأتي مرادفها كلمة كاهن أو أنسان عاقل متنبئ, فأراد المخرج (فيرنير هيرزوغ) إن يقارن بمستوى العقل بين سكان المقاطعة المُصابِين بالزعزعة النفسية و الجنون  بسبب بحثهم عن سر صناعة الزجاج الياقوتي و بين شخصية هيس الراعي الذي لا يملك شيئا سوى عقله المتزن و العدد القليل من قطيعه. لاوين ميرخان

هيس فوق التلال, أيانا يتحدث عن الدمار سيحل قريبا في معمل الزجاج…

ثم يُنقل بنا الفيلم إلى معمل صنع الزجاج و نفخه في مقاطعة (بفاريا),  حيث تقع أحداث الفيلم في القرن الثامن عشر,  استطاع احد العمال الحرَفيينَ صنع الزجاج الأحمر شبيه بالياقوت, تسمى بالزجاج الياقوتي. لاوين ميرخان

عندما مات عامل نافخ الزجاج, يدعى (مولبيك), الذي أبتكر سر طريقة صناعة الزجاج الياقوتي, ذهب سر طريقة إعداده مع قبره,  لاسيما لا أحد من زملائه من العمال يعلم سر الوصفة,  فضاع السر إلى الأبد. بدأ الاعتلال يخيم عقول سكان المقاطعة تدريجياً بينما ينظر النبي هيس إليهم من قمة التلال, و يعود متحدثاً عن نبوآته عن سكان مقاطعته, حيث إياهم حذُرُ إن معمل صنع الزجاج سيحترق كلياً في أحدى الليالي…

تم إخراج هذا الفيلم في عام 1976, أي إن مهنة نفخ الزجاج أنقرضت بشبه تام في القرن العشرين, و لكن  المخرج  (فيرنير هيرزوغ) استطاع جلب بضعة من عمال نفاخي الزجاج بعد إن بحث عنهم في كل أصقاع ألمانيا, و بنى لهم أفران خاصة في الاستديو ليتمكنوا من صنع الزجاج و نحتها.

مشهد من فيلم (قلب من زجاج 1976): صُناع الزجاج

المخرج (فيرنير هيرزوغ) عبقري في ألتقاط اللقطات المعبرة و تصوير المشاهد ذات الحوارات المطولة التي من الممكن استنباطها مغزى الفيلم منها, لاسيما إنه واحد من المدرسة الألمانية الجديدة (1962 – 1982) التي تتميز افلامهم  ذات طول زمني قصير نسبيا (حوالي ساعة و نصف) مع  قصة بسيطة و مقتضبة و كثيفة بالمغزى, يعتمد مخرجو هذه المدرسة على تكرار بضعة المشاهد مع تغيير في حوارات بين شخوص لتوكيد على مغزى الفيلم, و هذه احد الاساليب ليتمكن الناس فهم الفيلم بشكل أفضل لحيلولة دون حدوث التشتت و الضياع لذهن المتلقي.

من الممكن ملاحظة حالة الممثلين في هذا الفيلم اشبه ما يكونون في حالة غيبوبة عميقة و تحت تأثير التنويم المغناطيسي, عدا الشخصية التي مثلت هيس و صُناع الزجاج, فالممثلين المنومين مغناطيسياً اعطوا دورا اِستثنائِيا و غريبا نوعا ما. لاوين ميرخان

في هذا الفيلم مشاهد تعلقت في ذهني: منها مشهد الحانة عندما يتحدث رجلان احدهما نحيل و اشقر و حليق و وجه طويل يدعى (فودي), و الأخر سمين و له شارب كثيف, يدعى (آستشرل),  كلاهما منومي مغناطيسيا جالسان أمام الطاولة يحتسيان كأسان عملاقان من البيرة, فيجري بينهما الحديث يشوبه جمل غير مفهومة حيث يتكلمان ببطئ شديد لا يحركان شفتيهما:

فودي و آستشرل

فودي (يتحدث و عيناه لفوق) : يا آستشرل, كل شئ سينتهي غداً…! سأسقط عليكَ ألان من أفراطي بشرب…!
آستشرل (يتحدث ببطئ): يا صاحب الحانة, أجلب كأس من البيرة لـ(فودي)…!
فودي: سأنام على جُثتك…! فـ (هيس) قال لي أنني سأنام على جُثتك…! فكما تعلم, هيس ينظر إلى آفاق المستقبل…!
آستشرل: يجب إن نجهز نفسينا على مكان فيه تِبن,… و سأسقط أنا أولاً سقطةٍ قوية, ثم… تسقط أنتِ عليه…! فإذا لم تسقط عليه برقة, فحذار! لأنك ستموت ايضا بدون أدنى شك…!

لقد عمل آستشرل و فودي بما يجب فعله في اليوم التالي… و مات آستشرل بينما فودي ظل على قيد حياة فقد تم يقظه بعد فترة طويلة من الزمن, بعد إن جائت النسوة و شاهوا وضيعهما الغريب في مكان التبِن, و قامت بتشييع جنازة لزميله آستشرل, حيث تم وضعه على الصبة المستطيلة و لم يُدفن.

بعد أيام, راح فودي إلى نفس الحانة, و جلس بقرب الحشود يشربون كؤوس البيرة, إلا أنه لم يتفاعل معهم و رفض تناول كأس البيرة, فكان حزينا على رحيل رفيقه حزنا شديدا, و بدأ يحس بندامة شديدة ما قرر فعله معه, رغم غيبوبته و عدم أحساسه بالواقع, فيقول لحشود:   ( أني أفتقد صديقي آستشرل…!, أني أفتقد آستشرل !) و يضحك الحاضرين عليه, و يقول مجددا ( لابد أنه جاء اليوم إلى هنا…!فقال له صاحب الحانة:(أليس في مقدورك الذهاب إليه؟ فهو لا يستطيع المجئ إلى هنا.) فذهب فودي إلى آستشرل الذي كان على الصخرة المستطيلة و لم يُدفن, و جلبه إلى الحانة, و طلب من الموسيقين العزف فقام احد منهم و عزف لهما ليرقصان رقص الإنسان الحي ليس على صوابه مع الإنسان الميت…

مشهد تحفة: رقصة الحي (فودي) مع الميت ( آستشرل)…

هذا هو فيلم, هذه هي تحفة سينمائية, فقد ادخل فيرنير هيرزوغ  لفن السابع  حالة جدية لم يعهدها من قبل, ان يكون الممثل في حالة تنويم مغناطيسي, ان يكون لاوعي هو السيد الحاضر على طول الفيلم الا من الراعي او النبي او الحكيم, يذكرنا بالحديث النبوي لنبي محمد (ص): (الناس موتى اذا ناموا انتبهو). عندما يكون لاوعي هو الحاضر على طول الفيلم , تجد الانسان على حقيقته من دون رتوش او تلقين, تجد متاهات لاوعي حاضرة امامك, الفيلم من دون قصة واضحة المعالم وليس هناك حبكة او توتر متصاعد على طول الفيلم ,تجد الاحلام تمثل , لاوعي هو تلك القارة الشاسعة من دون اكتشاف, الكلام الملغز والذي يفتح امامك المئات بل الالوف من التأويلات, فيرنير هيرزوغ مخرج رائد وعبقري, مرة سأل عما سوف يفعلة بعد اخراج فيلم :قلب من زجاج , استشهد المخرج (فيرنير هيرزوغ) بكلام داعية الحقوق المدنية لوثر كنغ : لو علمت ان الغد هو نهاية العالم, سوف ازرع شجرة, و اكمل  الاستشهاد بعبارته بهذه الجملة : لو عرفت ان الغد هو نهاية العالم سوف اخرج فيلماً اليوم.

ملاحظة: أشكر السيد زيرك على تزويدي بمعلومات عن مقاطعة بفاريا و غير من المعلومات التاريخية…


2 تعليقان to “قلب من زجاج 1976”

  1. وليد بركسية Says:

    أثار هذا الفيلم انتباهي بشدة … سأحاول الحصول عليه قريباً … كالعادة شكراً لك على انتقاءاتك المميزة

  2. افلام قابلة لدراسة « مسودة سينمائية Says:

    […] قلب من زجاج Heart of Glass […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: